
بقلم د.احمد جعفر
مقترح لميثاق مبدئي يمكن أن يلتقي عليه المهتمون بالتاريخ وتوثيقه لكتابة تاريخ مستقل، بلغة قانونية فلسفية واضحة، تصلح للنشر أو التداول الأكاديمي.
كتابةُ التاريخ ليست فعلًا بريئًا.
إنها ليست جمعًا محايدًا لوقائع مبعثرة، بل إعادةُ تنظيمٍ للزمن داخل بنيةٍ تمنحه معنًى، وتُضفي عليه شرعية، وتحدد ما ينبغي أن يُتذكر وما يُترك للنسيان.
ومن هنا فإن السؤال عن التاريخ ليس سؤالًا عن الماضي، بل عن الوعي الذي يُعاد تشكيله عبر ذلك الماضي.
لقد كُرّست في الثقافة السياسية الحديثة مقولة أن “التاريخ يكتبه المنتصرون”، وهي عبارة تعبّر عن حقيقةٍ تتجاوز بعدها البلاغي .. هو أن القوة لا تكتفي بالهيمنة على الحاضر، بل تمتد لتُعيد تعريف ما كان.
غير أن التسليم بهذه القاعدة بوصفها قدرًا لا يُقاوَم يفضي إلى اختزال الحقيقة في الغلبة، وتحويل المعرفة إلى ملحقٍ بالسلطة.
لقد بيّن ميشيل فوكو أن العلاقة بين المعرفة والسلطة ليست عرضية، بل بنيوية؛ فالخطاب الذي يُنتَج داخل مؤسسات القوة يكتسب صفة “الحقيقة” لا لبراءته، بل لقدرته على الانتشار والهيمنة.
وإذا كان التاريخ أحد أهم أشكال الخطاب المؤسِّس للشرعية، فإن تركه بلا ضوابط مستقلة يعني التسليم بأن الذاكرة الجماعية ستظل رهينة ميزان القوى.
غير أن الردّ على هيمنة الدولة أو الجماعة المنتصرة لا يكون باستبدال احتكارٍ باحتكار، ولا بإحلال سرديةٍ مضادة محل أخرى، بل بإرساء شروطٍ تجعل كتابة التاريخ خاضعةً لمعايير قابلة للمساءلة.
فالحياد المطلق وهمٌ معرفي، كما أشار هايدن وايت حين كشف عن البنية السردية الكامنة في كل كتابة تاريخية.
لكن استحالة الحياد لا تعني استحالة النزاهة. الفرق بينهما هو الفرق بين إنكار التحيز والاعتراف به ضمن إطارٍ منهجي صارم.
كما أن التراث النقدي العربي نفسه لم يكن غافلًا عن هذه الإشكالية؛ فقد نبّه ابن خلدون إلى خطورة قبول الأخبار دون تمحيص، وإلى ضرورة إخضاع الرواية لمعيار العقل والتحقق.
وهو بذلك وضع أساسًا مبكرًا لفكرة أن التاريخ لا يُصان بالثقة، بل بالنقد.
إن الحاجة إلى ميثاقٍ لكتابة تاريخ مستقل تنبع من إدراك أن الذاكرة ليست مجرد أرشيفٍ للماضي، بل بنيةٌ تحدد أفق المستقبل.
فإذا تُركت صياغتها لجهةٍ واحدة، تحوّلت إلى أداة شرعنةٍ مغلقة؛ وإذا أُطلقت بلا معايير، انزلقت إلى فوضى السرديات المتصارعة دون مرجعية منهجية.
الميثاق المقترح لا يسعى إلى إنتاج “حقيقةٍ نهائية”، بل إلى تأسيس شروطٍ إجرائية تجعل أي روايةٍ قابلة للفحص، وأي سلطةٍ خاضعة للمساءلة.
إن كتابة التاريخ خارج هيمنة الدولة ليست دعوةً إلى عداءٍ سياسي كما يروج له البعض، بل إلى فصلٍ منهجي بين من يملك السلطة ومن يملك حقّ التأويل العلمي لها.
فالدولة، بحكم وظيفتها، معنيةٌ بالاستقرار والشرعية؛ أما المؤرخ، فوظيفته التفكيك والتحليل حتى وإن مسّ ذلك السردية الرسمية.
ولا يمكن الجمع بين الوظيفتين دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.
وعليه، فالميثاق المقترح لا يُقدَّم بوصفه نصًا مثاليًا يُنهي الخلاف، بل بوصفه إطارًا نظريًا وأخلاقيًا يحدّ من تغوّل القوة على الذاكرة، ويصون حق المجتمع في معرفةٍ لا تُفرض عليه، بل تُعرض أمامه قابلةً للنقد والمراجعة.
فالتاريخ كما أنه ليس حكرا على أحد، هو أيضا ليس ملكًا للمنتصر، ولا حكرًا كذلك على المؤسسة، بل مسؤوليةً معرفية مشتركة، يُصان صدقها لا بادعاء الطهارة، بل بقبول المساءلة الدائمة.
⛔️⛔️⛔️ميثاق المبادئ لكتابة تاريخ مستقل
⛔️الديباجة
انطلاقًا من أن التاريخ ليس مجرد تسجيلٍ للوقائع، بل تشكيلٌ للوعي الجمعي،
وإيمانًا بأن احتكار السردية يُفضي إلى احتكار الحقيقة،
واعترافًا بأن كل كتابةٍ للتاريخ تنطوي على تأويل،
فإن هذا الميثاق يضع المبادئ الحاكمة لكتابة تاريخٍ مستقل، منضبطٍ منهجيًا، وخاضعٍ للمساءلة.
⛔️المادة (1): الاستقلال المؤسسي
تُكتب الدراسات التاريخية في إطار مؤسسات أكاديمية مستقلة قانونيًا وإداريًا عن أجهزة الدولة التنفيذية، وعن أي جهة ذات مصلحة مباشرة في موضوع البحث.
⛔️المادة (2): استقلال التمويل
يُحظر التمويل المشروط بنتائج مسبقة.
يُعلن مصدر التمويل بشكلٍ صريح في مقدمة كل عمل.
يُفضل تنويع مصادر الدعم لمنع الارتهان لجهة واحدة.
⛔️المادة (3): الشفافية المنهجية
يلتزم الباحث ببيان منهجه وأدواته التحليلية بوضوح.
يُفرَّق صراحةً بين الوقائع الموثقة والتأويلات التحليلية.
تُتاح الوثائق والمراجع – قدر الإمكان – للباحثين الآخرين.
⛔️المادة (4): تعددية الفريق البحثي
يُراعى التنوع الفكري والمعرفي داخل الفرق البحثية.
لا يُختزل العمل التاريخي في صوتٍ واحد أو مدرسةٍ واحدة.
تُدرج الآراء المخالفة داخل العمل ذاته إذا كانت ذات صلة.
⛔️المادة (5): الحق في النقد والمراجعة
يخضع كل عمل تاريخي لمراجعة علمية مستقلة.
يُكفل حق الرد للأطراف المعنية، خاصة إذا كان الموضوع متعلقًا بأحياء.
تُفتح إمكانية التحديث والتصحيح عند ظهور معطيات جديدة.
⛔️المادة (6): التوثيق المرحلي
تُوثق الوقائع المعاصرة توثيقًا أوليًا دون إصدار أحكام نهائية.
يُفصل بين التوثيق اللحظي والتحليل المؤجل الذي يتطلب مسافة زمنية كافية.
⛔️المادة (7): حماية حرية البحث
تُصان حرية الباحث من أي ضغط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.
لا يُلاحق الباحث قانونيًا بسبب نتائج بحثه ما لم يثبت تعمده التزوير أو التشهير.
⛔️المادة (8): رفض احتكار السردية
لا يُعتبر أي عمل تاريخي روايةً نهائية مغلقة.
يُعترف بشرعية التعدد في السرديات طالما التزمت بالمعايير المنهجية.
يُمنع أي إجراء يمنع نشر أعمال تاريخية تستوفي الشروط الأكاديمية.
⛔️المادة (9): المسؤولية الأخلاقية
يلتزم الباحث باحترام كرامة الأشخاص، أحياءً كانوا أو أمواتًا.
يُمنع توظيف التاريخ في التحريض أو التشويه المتعمد.
تُراعى حساسية الذاكرة الجماعية دون التفريط في الحقيقة.
⛔️المادة (10): قابلية المراجعة الدائمة
التاريخ ليس نصًا مغلقًا، بل مشروع معرفة مستمر، وكل سردية قابلة لإعادة القراءة في ضوء وثائق جديدة أو مناهج مستجدة.
⛔️الخاتمة
لا يهدف هذا الميثاق إلى إنتاج “تاريخٍ بلا انحياز”، فذلك وهم بشري، بل إلى إنتاج تاريخٍ واعٍ بانحيازاته، منضبطٍ بمعايير يمكن مساءلتها، ومفتوحٍ على النقد .. فالحقيقة لا تُحمى بالاحتكار، بل بالشفافية.





