
بقلم د.. احمد جعفر
فارق كبير بين خطاب التاريخ وبيان الشرعنة
الحق في الفعل لا يساوي الحق في الحقيقة .. هذا ما ختمت به المقال الأول في الإجابة على سؤال: من يكتب التاريخ؟ وذكرت أن من يملك الشجاعة ليعترف أن ما يكتبه ليس الحقيقة، بل تأويلٌ يسعى إلى أن يصبح حقيقة؟ سنكون من المدركين لطبيعة المعركة والوعي المطلوب.
⛔️بين القوة والحقيقة
المنتصر يملك أدوات الصياغة من أرشيف ومنابر ومناهج دراسية وتمويل .. لكن امتلاك المنتصر للوسيلة لا يمنحه شرعية معرفية.
هذا بالضبط ما أشار إليه ميشيل فوكو بقوله: أن السلطة تُنتج خطابًا يبدو كحقيقة، لكنها ليست حقيقة بمعنى التطابق مع الواقع، بل حقيقة بوصفها “نظامًا لما يُسمح بتداوله”.
بعبارة أخرى: القوة تستطيع أن تفرض سردية، لكنها لا تستطيع أن تجعلها موضوعية لمجرد أنها فُرضت.
⛔️هل الموضوعية حياد أم عدالة منهجية؟
الموضوعية ليست غياب الانتماء، بل الالتزام بمعايير قابلة للفحص والنقد.
وفق التصور النقدي الحديث (كما عند هايدن وايت)، لا يوجد سرد بلا تأويل، لكن هذا لا يعني أن كل السرديات متساوية، نظرا لأن هناك فارق بين سردية تستند إلى وثائق متعددة ومتناقضة وتعرضها بإنصاف، وسردية تنتقي ما يخدم عقيدتها وتحذف ما يربكها أو يشوش عليها.
السردية الأولى منحازة بشريًا لكنها منضبطة منهجيًا، والأخرى منحازة سلطويًا ومغلقة نقديًا.
فالموضوعية إذن ليست طهارة، بل قابلية للمساءلة.
⛔️هل للمنتصر “حق” في صياغة الوعي؟
سياسيًا: نعم، لأنه يملك أدواته، أما أخلاقيًا ومعرفيًا، فيقينا لا وألف لا .
لو قبلنا أن المنتصر يملك حق تعريف الحقيقة، فنحن نؤسس لمبدأ خطير .. ألا وهو “الحقيقة تساوي القوة” .
وهذا يعيدنا إلى منطق ما قبل الفلسفة، قبل أن يميز ابن خلدون بين الخبر والتمحيص، وقبل أن يصرّ العقل النقدي على إخضاع الرواية للبرهان.
إن الاعتراف بأن التاريخ ساحة صراع لا يعني الاستسلام لمن يربح المعركة.
⛔️المفارقة الكبرى
إذا صاغ المنتصر التاريخ على هواه، فإنه يحقق استقرارًا مؤقتًا، لكنه يزرع بذرة الشك في الأجيال القادمة، فكل رواية مغلقة تنتج رواية مضادة.
التاريخ الذي يُكتب كدعاية، يتحول مع الزمن إلى مادة تفكيك، والوعي الذي يُفرض، يبحث عن صدعٍ يتنفس منه.
⛔️الحدود الفاصلة
هناك عدة أربعة تساؤلات عند الحديث عن الحدود الفاصلة فيمن يكتب، يمكن ان تكون: هل يعلن موقعه الأيديولوجي بوضوح؟ وهل يتيح الاطلاع على مصادره؟ وهل يقبل النقد العلني؟ وهل يسمح بوجود سرديات موازية؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فحتى المنتصر يمكنه أن يكتب تاريخًا منضبطًا.
أما إذا أغلق المجال، فليس ما يكتبه تاريخًا، بل خطاب شرعنة.
⛔️جوهر النقاش
المنتصر يملك الحق الواقعي في الكتابة، لكنه لا يملك الحق الفلسفي في احتكار الحقيقة.
القوة قد تنتج “نسخة رسمية”، لكن الموضوعية لا تولد من الغلبة، بل من انفتاح النص على النقد، فهل وجود فريق مختص يضمن الموضوعية؟
فكرة “الفريق المراقِب” التي عرضها البعض موخراً تبدو عقلانية: (مختصون + معايشون + توثيق لحظي + تجميع في وثيقة تداولية) .
لكن الإشكال معقد جدا، فمن يختار هؤلاء المختصين؟ ومن يمنحهم صفة “المراقبة”؟ فإذا كانت الجهة المنتصرة هي التي تعينهم، عاد الخلل من جديد.
وإذا كانت جهة مستقلة، فمن يضمن استقلالها؟
هنا تظهر إشكالية قديمة أشار إليها يورغن هابرماس حين تحدث عن “الفضاء العمومي” بوصفه مجالًا للحوار العقلاني الحر، لا مجالًا مُدارًا من سلطة.
المشكلة ليست في وجود هيئة، بل في طبيعة المجال الذي تعمل داخله.
⛔️الفرق بين الرقابة والتقويم
ما أطالب به ليس “رقابة بل تقويمًا نقديًا موازيًا”.
الفرق جوهري: الرقابة تمنع النص، والتقويم يكشف منطقه ويضعه في سياقه.
إذا تحول الفريق إلى سلطة تصديق أو رفض، أصبح جزءًا من لعبة الاحتكار.
أما إذا كان دوره إنتاج وثيقة نقدية موازية، فهو يعزز التعدد لا يقمعه.
⛔️المعايشون
إدخال “المعايشين” عنصر مهم، لأنهم شهود اللحظة.
لكن الشاهد ليس محايدًا بالضرورة؛ بل قد يكون الأكثر انفعالًا.
هنا نستحضر مرة أخرى روح ابن خلدون الذي حذّر من تصديق الروايات لمجرد قربها من الحدث.
القرب يمنح حرارة، لكنه قد يسلب المسافة النقدية.
إذن المطلوب ليس فقط الجمع بين المختص والمعايش، بل بناء آلية تعمل على توثيق أولي سريع، ومراجعة لاحقة هادئة، ونشر دوري شفاف .
⛔️الوثيقة التداولية
فكرة “وثيقة قابلة للتداول” ممتازة فلسفيًا، لأنها: تمنع احتكار النص الأصلي، وتخلق مرجعًا مضادًا، وتسمح بالمقارنة .
لكن يجب أن تكون: مفتوحة للتحديث، وموقعة بأسماء واضحة، وموثقة بالمصادر، وقابلة للنقد العام، وإلا تحولت إلى “سردية رسمية مضادة” لا تختلف كثيرًا عن الأولى.
⛔️الخطر الخفي
الرصد “أولًا بأول” له ميزة، لكنه يحمل خطرًا:
التاريخ يحتاج زمنًا ليهدأ الغبار، فالمتابعة اللحظية قد تحوّله إلى جدل سياسي مباشر، لا كتابة تاريخية، وربما يكون من الأفضل هو الجمع بين مستويين: توثيق فوري للوقائع، وتحليل مؤجل يخضع للنقد المتعدد.
⛔️النقطة الجوهرية
الحقيقة لا تُحمى بالصمت، بل بالمشاركة المؤسسية المنظمة، لكن يبقى الشرط الفلسفي الصارم:
أي هيئة تدّعي حماية الموضوعية يجب أن تقبل أن تُخضع هي نفسها للنقد.
وإلا أصبحت سلطة جديدة فوق النص.
فالمطلوب ليس منع المنتصر من الكتابة، بل منع احتكاره للمراجعة.
وليس المطلوب إلغاء السردية، بل إنشاء فضاءٍ مؤسسي يضمن: التعدد والشفافية وقابلية المساءلة وأرشفة الروايات المتعارضة .
وربما يسأل سائل: هل ترى أن هذا الفريق يجب أن يكون دائمًا مستقلًا عن الدولة؟ أم يمكن أن يكون جزءًا منها بشرط وجود ضمانات قانونية؟
الإجابة على هذا السؤال تحدد إن كنت تسعى إلى “توازن داخل السلطة” أم “رقابة معرفية خارجها.
⛔️موقفي حاسم وواضح
التاريخ ينبغي أن يُكتب خارج الدولة، بواسطة فريق أكاديمي مستقل.
هذا الطرح جذري، لكنه يحتاج إلى تدقيق فلسفي حتى لا يتحول إلى مثالية غير قابلة للتطبيق.
⛔️لماذا إبعاده عن الدولة؟
منطقك يستند إلى فرضية معقولة .. الدولة كيان سياسي، ومصلحتها الحفاظ على شرعيتها، وبالتالي، يصعب عليها أن تسمح بسردية تُضعف صورتها أو تُعرّي أخطاءها.
في هذا السياق، يصبح التاريخ الرسمي أقرب إلى “خطاب تبريري” منه إلى بحث نقدي.
وهنا مكمن المفارقة: فالدولة ليست فقط سلطة سياسية، بل أيضًا بنية مؤسساتية تحفظ الأرشيف، وتموّل الجامعات، وتتيح الوصول إلى الوثائق، فكيف نفصل المؤرخ عنها كليًا دون أن نفصله عن مصادره؟
⛔️هل الاستقلال الأكاديمي ضمان كافٍ؟
الاستقلال لا يعني الحياد المطلق.
الفريق الأكاديمي نفسه ينتمي إلى بيئة ثقافية، ويحمل تحيزات فكرية، ويخضع أحيانًا لتمويلات خاصة، ويتحرك داخل شبكة علاقات مهنية.
بمعنى آخر: الاستقلال عن الدولة لا يعني الاستقلال عن السلطة بمعناها الواسع، فالسلطة ليست فقط دولة، بل شبكة مصالح ومعايير ومؤسسات.
⛔️فاعلية الفريق المستقل
إذا أردنا نموذجًا صارمًا، فيجب أن تتوفر شروط أساسية في الفريق المستقل مثل: شفافية كاملة في التمويل، ونشر المنهج قبل النتائج، تعددية فكرية داخل الفريق نفسه، إتاحة الوثائق للباحثين الآخرين، وخضوع العمل لمراجعة علمية مفتوحة، وعلينا أن نفهم أن الاستقلال الحقيقي ليس في الموقع خارج الدولة، بل في قابلية العمل للنقد العلني في إطار المساحة المشتركة .
⛔️الخطر المقابل
إذا عُزل التاريخ تمامًا عن الدولة، قد يحدث أحد أمرين: يصبح نشاطًا نخبويًا معزولًا عن المجال العام، أو يتحول إلى ساحة تنافس تمويلي خاص، حيث تلعب المؤسسات الاقتصادية دور الدولة القديم، وفي الحالتين، تبقى مسألة القوة حاضرة، لكن بوجه ودرجات مختلفة نسبيا .
⛔️نحو تصور أكثر توازنًا
ربما ليس الحل في إبعاد التاريخ عن الدولة بالكامل، ولا في تركه لها، بل في استقلال أكاديمي قانونيًا، وتمويل متنوع غير مركزي، وأرشيف مفتوح، وحماية قانونية لحرية البحث، وتعدد مراكز الكتابة لا مركز واحد، وبهذا، لا يُحتكر الماضي، ولا يُترك للفوضى.
⛔️المبدأ الفلسفي الحاسم
المشكلة ليست في من يكتب فقط، بل في من يملك القدرة على منع الآخرين من الكتابة.
فإذا وُجد فضاء يسمح بتعدد الروايات، وآلية نقد علني مستمر، فلن تتحول أي سردية إلى عقيدة مغلقة.
“يتبع بمشيئة الله”
#أحمد_جعفر_كاتب_صحفي




