
بقلم د. احمد جعفر 
التاريخ في صورته المدرسية الهادئة، يبدو كأنه سجلٌّ محايد لوقائع مضت .. في الحوارات الدائرة عن كتابة التاريخ، ومن يكتبه؟ السؤال ينبغي أن يكون : من يملك حقَّ أن يُعرِّف ما حدث؟ لكن هذه الصورة تخفي سؤالًا أكثر قسوة: هل الوقائع تُكتشف، أم تُصاغ؟ وهل المؤرخ شاهدٌ أم مُنشئُ معنى؟!!
هنا تبدأ المعضلة محل النقاش في هذه السلسلة .. التاريخ ليس مجرد نقلٍ للحدث، بل هو إعادة ترتيبٍ له داخل بنية سردية تُخضعه لقانون الرؤية، وموقع الكاتب، وبنية السلطة.
يتردد بين الحين والآخر أن “التاريخ يكتبه المنتصرون”.. هذه العبارة تُنسب غالبًا إلى Winston Churchill، ومعناها البسيط أن الطرف الذي ينتصر في الحروب أو الصراعات هو الذي يملك فرصة رواية الأحداث بالطريقة التي تخدم صورته، فالمنتصر لا يربح الأرض وحدها، بل يربح حقَّ تسمية الأشياء .. من كان خائنًا بحسب منطلقاته، ومن كان بطلًا، ومن كان مجرد هامشٍ لا يُذكر.
فالتوصيف السياسي هنا يعني “المنتصر يسيطر على الإعلام، الكتب، التعليم، الأرشيف، فيكتب روايته هو حسب معتقداته التي ترجمها إلى سلوك فعلي على الأرض”.
فمن يملك القوة يحدد ما الذي يُحفظ في الذاكرة، وهو يحدد ما الذي يُنسى، وهو الذي يحدد من هو البطل ومن هو الخائن، وهو من يحدد كذلك ما هو “تمرد” وما هو “تحرر”، فالعلاقة هنا ليست بين القوة والتدوين فقط، بل بين القوة وتعريف الحقيقة ذاتها.
فمثلا: لو ثورة ما نجحت في بلد ما تُسمّى “ثورة مجيدة”، ولو فشلت تُسمّى “تمردًا فوضويًا”.
الحدث نفسه قد لا يتغير، لكن توصيفه ومعناه يتغيران حسب من يملك السلطة بعده.
⛔️المعرفة ليست بريئة
لقد نبّه ميشيل فوكو إلى أن المعرفة لا تنفصل عن شبكات السلطة.
ليست السلطة قمعًا مباشرًا فقط، بل قدرة على إنتاج خطاب يُعرِّف المقبول والمرفوض، الممكن والمستحيل.
وبهذا المعنى، فإن كتابة التاريخ ليست عملية توثيق، بل ممارسة سلطة رمزية.
من يملك الأرشيف يملك الماضي؛ ومن يملك الماضي يملك شرعية الحاضر.
لكن الأخطر من السلطة الصريحة هو السلطة المتخفية في ادعاء الحياد.
فالمؤرخ الذي يزعم أنه “ينقل كما وقع” يتجاهل حقيقة أن مجرد اختيار حدثٍ دون آخر هو فعلُ إقصاءٍ صامت.
إن التاريخ لا يُكتب فقط بما يُذكر، بل بما يُحذف.
⛔️هل الموضوعية ممكنة؟
يرى هايدن وايت أن كتابة التاريخ تخضع لبنية سردية لا تختلف كثيرًا عن الأدب.
فالمؤرخ يختار حبكةً، ويُضفي معنًى، ويربط الأسباب بالنتائج وفق تصوّرٍ مسبق للعالم.
ليس الحدث هو ما يُنتج السرد، بل السرد هو ما يمنح الحدث معناه.
إذا كان الأمر كذلك، فهل الموضوعية وهم؟
ليست وهمًا كاملًا، لكنها ليست طهارةً معرفية، أقصى ما يمكن بلوغه هو نزاهة منهجية تعترف بتحيزاتها بدل إنكارها.
وهنا تتجلى عبقرية ابن خلدون حين شدد على نقد الروايات وتمحيص الأخبار وعدم قبولها لمجرد شيوعها، لقد فهم ابن خلدون مبكرًا أن الذاكرة الجماعية قابلة للتزييف بقدر قابليتها للحفظ.
⛔️فتش عن الراعي الخفي للذاكرة
هل تبقى كتابة التاريخ حكرًا على من يملك المال؟ هذا السؤال جدير بالاهتمام، ليس فحسب لأن المال عصب الحياة بل لأن المال لا يكتب بيده، لكنه يختار القلم ..
حاول بعض المتنفذين تكليفي بكتابة كتاب يعبر عن فكره وفلسفته وأجندته، وعرض علي مبلغ مالي ضخم إذا ما قورن بعوائد كتبي .. فرفضت لانه لا يتماهى مع ما أعتقده وأؤمن به ومصدرا للإلهام الفكري لي، فتعجب وزاد من إغراءاته لس فلقنته درسا أخلاقيا ومهنيا وفكريا، فقال لي: أنت أول صحفي تقول لي لا .. وأنا أحترمك رغم اختلافي معك فكريا .. وسر احترامي لك جرأتك في قول لا وعدم الاكتراث بأي اعتبار واحترامك لقلمك.
تذكرت هذا لأني مؤمن بأن المؤسسات البحثية تحتاج تمويلًا، ودور النشر تحتاج دعمًا، والمشاريع الأرشيفية تحتاج رعاة.
هنا لا يصبح السؤال: هل الممول يتدخل؟ بل: كيف لا يتدخل؟ فالممول لا يملي العبارات غالبًا، لكنه يحدد الإطار .. ما الذي يستحق الدراسة؟ ما الذي يُعدّ أولوية وطنية؟ ما الذي ينبغي إبرازه أو تجاهله؟
بهذا المعنى، يتحول التاريخ إلى ساحة تنافس بين سرديات ممولة وسرديات مهمشة.
ليست المشكلة في وجود تمويل، بل في غياب الشفافية حوله، فحين يُخفى المصدر، يُخفى معه احتمال الانحياز.
⛔️لا بواكي على الأحياء في التاريخ
حين يُكتب التاريخ عن الأموات، يظل الخطر أخلاقيًا .. لا أحد سيدافع عن سمعته.
لكن حين يُكتب عن الأحياء، يتحول النص إلى سلاح.
المؤرخ هنا ليس مجرد باحث، بل طرف في صراع رمزي، وقد يُتهم بالتشهير، أو بالتلميع، أو بخدمة أجندة، والمعيار الفاصل ليس النية، بل المنهج بحيث يشمل تعدد المصادر وإتاحة حق الرد والفصل الصريح بين الوقائع والتأويل، والإفصاح عن موقع الكاتب وتمويله، من دون ذلك يصبح التاريخ بيانًا سياسيًا بلباسٍ أكاديمي.
⛔️كي لا يكون المراقبين متفرجون !!
هل المقاطعة حل؟ هل يكفي للمعارضين أن يقاطعوا روايةً يرونها منحازة؟
في رأي أن المقاطعة صمتٌ مريح، لكنها لا تُنتج ذاكرة بديلة.
الردّ النقدي، مهما كان شاقًا، هو الفعل الوحيد القادر على تفكيك السردية المهيمنة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُكتب تاريخ منحاز، بل أن يُترك بلا مساءلة ولا مناقشة ولا تنقيح ولا تخلية .. يعني لابد من إحداث جدلية واسعة لأن التاريخ الذي لا يُناقش يتحول إلى عقيدة؛ والعقيدة لا تُراجع.
⛔️هل نبحث عن تاريخٍ واحد؟
ربما المشكلة في افتراضنا أن هناك تاريخًا واحدًا ينبغي الوصول إليه.
ما يوجد في الواقع هو تعدد سرديات تتصارع على تعريف الماضي، والحقيقة لا تقف خارج هذا الصراع، بل تتشكل داخله.
التاريخ ليس مرآةً صافية، بل سطحٌ عاكسٌ مشروخ، وكل من ينظر إليه يرى جزءًا من الصورة، لكن أحدًا لا يراها كاملة.
إذن من يملك الشجاعة ليعترف أن ما يكتبه ليس الحقيقة، بل تأويلٌ يسعى إلى أن يصبح حقيقة؟ وحين ندرك ذلك، ندرك أن المعركة ليست على الماضي، بل على الوعي ذاته، وهذا ما أردت تسطيره وتسجيله هنا.
“يتبع أن شاء الله”
#أحمد_جعفر_كاتب_صحفي

